الشيخ محمد هادي معرفة

91

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بأحساسيسنا المادّية أو نريد التعبير عنه بمقاييسنا اللفظيّة الكلاميّة ، إنّها ألفاظ وضعت لمفاهيم لا تعدو الحسّ أو لا تكاد . وكلّ ماباستطاعتنا إنّما هو التعبير عنه على نحو التشبيه والاستعارة أو المجاز والكناية لا أكثر ، فهو ممّا يدرك ولا يوصف ، فالوحي ظاهرة روحيّة يدركها من يصلح لها . ولا يستطيع غيره أن يصفها وصفا بالكنه ، ما عدا التعبير عنها بالآثار والعوارض هذا فحسب . الوحي عند فلاسفة الغرب أشرنا فيما سبق أنّ فلاسفة اروبا بعد أن عادوا إلى الاعتراف بوجود شخصيّة باطنة للإنسان ، تسمّى بالروح ، وعلموا أنّها هي التي كوّنت جسمه في الرحم وهي التي تحرّك جميع عضلاته وأعضائه التي ليست تحت إرادته كالكبد والقلب والمعدة وغيرها ، فهو إنسان بها لا بهذه الشخصيّة العاديّة . . . عادوا يعترفون أيضا بالوحي ، الوحي الذي يدّعيه الأنبياء ملء كتبهم النازلة المنسوبة إلى السماء . ولكن فسّروه تفسيرا يختلف عمّا قرّره علماء الدين الإسلامي - على ما سبق تعريفه بأنّه إلقاء من خارج الوجود إمّا قذفا في قلب أو قرعا في سمع - . قالوا : الوحي عبارة عن إلهامات روحيّة تنبعث من داخل الوجود ، أي الروح الواعية هي التي تعطينا تلكم الإلهامات الطيبّة الفجائيّة في ظروف حرجة ، وهي التي تنفث في روع الأنبياء مايعتبرونه وحيا من اللّه ، وقد تظهر نفس تلك الروح المتقبّعة وراء جسمهم ، متجسّدة خارجا فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من السماء ، وما هي إلّا تجلّي شخصيّتهم الباطنة ، فتعلّمهم مالم يكونوا يعلمونه من قبل ، وتهديهم إلى خير الطرق لهداية أنفسهم وترقية امّتهم وليس بنزول ملك من السماء ليلقي عليهم كلاما من عند اللّه . هذا ما يراه العلم الأُروبي التجريبي الحديث في مسألة الوحي . ودليلهم على ذلك : أنّ اللّه أجلّ وأعلى من أن يقابله بشر أو يتصل به مخلوق ، وأنّ الملائكة مهما قيل في روحانيّتهم وتجرّدهم عن المادّة فلا يعقل أنّهم يقابلون اللّه أو